وهبة الزحيلي
173
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المتقي : من يعلم منه ربه التقوى . وهذه الجملة وعد ووعيد . ولما ذكر المتقين ذكر شيئا من صفاتهم . فذكر اللّه تعالى أوصاف المتقين ، وهم الذين يقولون : ربنا إننا آمنا بما أنزلته على رسلك إيمانا ثابتا راسخا في القلب ، مهيمنا على كل أعمالنا ، فاستر ذنوبنا بعفوك ، وادفع عنا عذاب النار ، إنك أنت الغفور الرحيم . وهم أيضا الصابرون على أداء الطاعات وترك المعاصي ، الراضون بقضاء اللّه وقدره ، ولا شك أن الصبر يقوي الإرادة ، ويعصم النفس عن الانزلاق في الأهواء والشهوات والمنكرات . وهم الصادقون في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم ، يترجمون عنه بكل شيء حميد وخلق عال ، كما قال تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ، وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ [ الزمر 39 / 33 - 34 ] . وهم القانتون المداومون على الخشوع والطاعة والضراعة إلى اللّه ، وذلك لب العبادة وروحها . والمنفقون أموالهم في سبيل اللّه نفقة واجبة أو مستحبة . والمستغفرون بالأسحار بالتهجد في آخر الليل ، والدعاء بالمغفرة والرضا . والاستغفار المطلوب : ما يقرن بالتوبة النصوح والعمل على وفق حدود الدين ، ولا يكفي الاستغفار باللسان مع الإقامة على المعصية ، فإن المستغفر من الذنب ، وهو مقيم على معصيته ، كالمستهزئ بربه . وأفضل صيغة للاستغفار : ما رواه البخاري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : سيد الاستغفار أن تقول : « اللهم أنت ربي ، لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » .